اختلال في العقد الاجتماعي: الضرائب والإنفاق الاجتماعي والأُسُس المالية للتعافي الشامل في لبنان

تستند هذه المذكرة السياساتية إلى حلقة النقاش بعنوان "اختلال التوازن في العقد الاجتماعي: الضرائب والإنفاق الاجتماعي والأُسس المالية للتعافي الشامل في لبنان"، التي عُقدت في ۱ أيلول/سبتمبر ۲٠۲٦ بالشراكة بين مركز العلوم الاجتماعية للأبحاث التطبيقية والجمعية اللبنانية لحقوق المُكلَّفين

 

الضرائب غير المباشرة على الاستهلاك (ضريبة القيمة المضافة والوقود والرسوم الجمركية) تُشكِّل ٨٦% من إيرادات الدولة.

۲٠۱۹–۲٠۲٦: انتقال العبء الضريبي من الشريحة الأعلى دخلًا، التي تضمّ ۱% من السكّان، إلى الشريحة الأدنى دخلًا، التي تضمّ ۵٠% منهم.

ارتفعت حصة أفقر ۵٠% من السكان من إجمالي العبء الضريبي من ۲٠% إلى ۲٦%، فيما انخفضت حصة أغنى ۱% من السكان من ۱٤% إلى ۷%.

٢٢% مقابل أقلّ من ۱%

في العام ۲٠۲٦، شكّل الإنفاق الاجتماعي، اسميًا، ٢٢% من موازنة العام لكنّ المخصّصات المرصودة لرعاية الأطفال ودعم الأشخاص ذوي الإعاقة والتقديمات العائلية مجتمعةً لم تتجاوز نسبة ۱% من الموازنة.

معلومات أساسية

تستند هذه الورقة إلى حلقة النقاش الثانية، بعنوان "اختلال التوازن في العقد الاجتماعي: الضرائب والإنفاق الاجتماعي والأُسس المالية للتعافي الشامل في لبنان"، التي عُقدت في ۱ أيلول/سبتمبر ۲٠۲٦، ضمن سلسلة "السياسات الاجتماعية في لبنان بين الحرب والرعاية: تبادل ونقاش مع المجتمع المدني والخبراء نحو العدالة الاجتماعية في لبنان"، التي ينظّمها مركز العلوم الاجتماعية للأبحاث التطبيقية بالشراكة مع اليونيسف. جمعت حلقة النقاش باحثين/ات، وممارسين/ات، ومتخصّصين/ات في السياسات العامة، ونُظّمت بالتعاون مع الجمعية اللبنانية لحقوق المكلّفين، برئاسة سابين حاتم من معهد باسل فليحان المالي والاقتصادي.

تناولت حلقة النقاش الاختلال القائم في جانبَي العقد الاجتماعي في لبنان، وهما نظام الإيرادات الذي يعتمد بصورة متزايدة على الضرائب التنازلية، ونظام الحماية الاجتماعية الذي لا يزال عاجزًا عن تلبية الاحتياجات، وتتفاوت مستويات الاستفادة منه. وانطلقت المناقشات من التباين بين نظام إيرادات يقوم على قاعدة ضريبية ضيّقة وهيكلية تنازلية، وتُشكّل فيه الضرائب غير المباشرة نحو ٨٦% من إيرادات الدولة، ونظام للإنفاق الاجتماعي يُخصّص ٢٢% من موازنة العام ۲٠۲٦ للأهداف الاجتماعية، (بما فيها الحماية الاجتماعية والصحّة والتعليم). وتتركّز الموارد المخصّصة ضمن هذه المنظومة على معاشات التقاعد في القطاع العام والرعاية الصحّية، فيما لا تتجاوز المخصّصات المرصودة لرعاية الأطفال ودعم الأشخاص ذوي الإعاقة والتقديمات العائلية مجتمعةً ۱%. وتؤثّر القرارات المتعلّقة بالضرائب والإنفاق في قدرة الأطفال على الحصول على التغذية والتعليم والرعاية الصحّية والدعم الأُسري. وفي ظلّ الأزمات المتكرّرة والحرب الأخيرة، تبرز ضرورة إعادة بناء العقد الاجتماعي غير المتوازن في لبنان لحماية الأطفال وتهيئة الظروف اللازمة لتحقيق تعافٍ عادل.

تستند هذه الورقة إلى تلك المناقشات، وإلى الأُسس المالية التي تناولتها حلقة النقاش الأولى من السلسلة بشأن تعرّض الأطفال للأزمات المتكرّرة، لطرح توجّهات إصلاحية تتيح تمويل نظام للحماية الاجتماعية في لبنان يكون أكثر إنصافًا واستدامةً. وتستهدف الورقة الجهات المعنيّة بالإصلاح المالي والمالية العامة والحماية الاجتماعية في لبنان، بما فيها لجنة المال والموازنة النيابية، ووزارة المالية، والجهات المانحة الدولية والشركاء الإنمائيون، ومنظّمات المجتمع المدني.

السياق وعرض المشكلة

لا يزال النظام الضريبي في لبنان يتّسم بطابع تنازلي، وقد فاقمت الأزمات المتداخلة التي شهدها البلد أوجه الظلم في توزيع الأعباء والموارد. ووفقًا للأرقام التي جمعتها مبادرة سياسات الغد، تراجعت الإيرادات المتأتّية من الضرائب على الدخل والأجور والأرباح من نحو ٣% من الناتج المحلّي الإجمالي قبل الأزمة المالية في العام ٢٠۱۹ إلى ١.٧% في العام ۲٠۲٦، فيما انخفضت الإيرادات المتأتّية من الضرائب على الممتلكات والثروات من ۵% إلى ۱.٣٤% خلال الفترة نفسها. في المقابل، ارتفعت الإيرادات المتأتّية من الضرائب على الاستهلاك، بحسب ما أُفيد به، من ٨% إلى ۱۱.٤% من الناتج المحلّي الإجمالي، متجاوزةً المستوى المرجعي الدولي البالغ ۷.۷% إلى ۷.۹%، وفقًا لما ورد خلال المناقشات. وتُشير نتائج التحليل الأوّلي للموازنة الذي أجرته مبادرة سياسات الغد إلى أنّ الشريحة الأدنى دخلًا، التي تضمّ ۵۰% من السكان ولا تحصل إلّا على ۱۱% من الدخل الوطني، ارتفعت حصّتها من العبء الضريبي من ۲۰% إلى ۲٦% بعد الانهيار المالي في العام ٢٠۱۹. في المقابل، انخفضت مساهمة الشريحة الأعلى دخلًا، التي تضمّ ۱% من السكان وتحصل على نحو ۲۰% من الدخل الوطني، من حوالي ۱٤%-۱۵% إلى ۷%. وتُفاقم هذه التفاوتات منظومةٌ واسعة من الإعفاءات الضريبية، تضمّ نحو ۱۷٠ إعفاءً. وبحسب ما أُفيد به، تشمل هذه المنظومة إعفاءات من ضريبة القيمة المضافة يستفيد منها الذهب والفضّة والمجوهرات وأنشطة الكازينوهات أو القمار، في حين لا تزال ۱٣ سلعةً من أصل ٤۱ سلعةً أساسيةً شملها التحليل خاضعةً لهذه الضريبة، (منها المياه المعبّأة والدجاج ومعجون الطماطم). 

بالتالي، لا يمكن اعتبار الأزمة المالية في لبنان مجرّد نقص في الإيرادات يمكن للتعافي الاقتصادي وحده أن يعالجه. فرغم بدء تعافي الإيرادات الضريبية منذ العام ۲٠۲۲، غير أنّ هذا التحسّن، الذي يعود بمعظمه إلى زيادة الضرائب على الاستهلاك، أعاد إلى حدّ كبير البنية المالية التي كانت سائدةً قبل الأزمة، بل زاد من اختلال توزيع الأعباء الضريبية لصالح الفئات الأعلى دخلًا، وفرض أعباءً إضافيةً على الأُسر الأكثر هشاشةً وذات الدخل المنخفض. وتنعكس هذه الأعباء بصورة خاصّة على الأطفال، الذين يتضرّرون أكثر من غيرهم عندما ترتفع تكاليف المعيشة على أُسرهم، ولا تصل إليهم وإلى عائلاتهم المنافع المرجوّة من الإنفاق الاجتماعي. 


ولكن، ما جدوى التعافي المالي إذا استعادت الدولة إيراداتها فيما بقيت أوجه التفاوت القائمة في النظام الضريبي والإنفاق العام على حالها؟ فالنظام الحالي يفرض عبئًا مزدوجًا على الأُسر ذات الدخل المنخفض والمتوسّط، إذ تتحمّل حصةً غير متناسبة من الأعباء الضريبية من خلال الضرائب على الاستهلاك، وتضطرّ في الوقت نفسه إلى دفع تكاليف الخدمات الأساسية من مالها الخاص، لعجز الدولة عن توفيرها. وبذلك، يُضعف هذا النظام مبدأ المعاملة بالمثل الذي يقوم عليه التزام المكلّفين بدفع الضرائب، والذي يستند إليه العقد الاجتماعي نفسه في نهاية المطاف.


النتائج الرئيسية


۱. تُفاقم الضرائب التنازلية هشاشة الفئات التي لا تستفيد أصلًا بما يكفي من الخدمات العامة.

أوضحت سابين حاتم أنّ الضرائب ليست مجرّد مسألة تقنية أو إدارية، بل تؤثّر بصورة مباشرة في حياة المواطنين/ات، وفي قدرتهم/هنَّ على الحصول على الخدمات وتحمّل تكاليفها.


"السياسة الضريبية ليست مجرّد أرقام... فكلّ قرار تتّخذه الدولة بشأن سياستها الضريبية يؤثّر بصورة مباشرة في قدرة المواطنين/ات على العيش بكرامة والحصول على الخدمات الأساسية. (سابين حاتم، معهد باسل فليحان المالي والاقتصادي)


ويتفاقم الظلم الضريبي عندما تعتمد الدولة على زيادة الضرائب على الاستهلاك لرفع إيراداتها، رغم أنّ هذه الضرائب تستهلك حصةً أكبر من موارد الأُسر ذات الدخل المنخفض، من دون أن تقابلها خدمات اجتماعية كافية يسهل الوصول إليها. ويطال هذا الاختلال أيضًا اللاجئين/ات وغيرهم/هنَّ من غير المواطنين/ات، الذين/اللواتي يُسهمون/نَ في إيرادات الدولة عبر الضريبة على القيمة المضافة وغيرها من الضرائب على الاستهلاك، لكن يتم حرمانهم/هنَّ إلى حدّ كبير من الحقوق والخدمات وأشكال الحماية المرتبطة عادةً بالعقد الاجتماعي. وفي ظلّ قصور الخدمات العامة، تضطرّ الأُسر إلى تعويض هذا النقص بتحمّل تكاليف الخدمات من مالها الخاص، وتقديم الرعاية من دون أجر، وتأجيل تأمين العلاج، فضلًا عن اضطرار الأطفال إلى الانقطاع عن الدراسة. وهكذا، تتحمّل الأُسر أعباء الرعاية التي لا توفّرها الدولة، ويقع الجزء الأكبر منها على عاتق النساء والفتيات، اللواتي يضطلعنَ بمعظم أعمال الرعاية غير المأجورة.


۲. يفرض النظام الضريبي بشكل متزايد ضرائب على الاستهلاك، فيما يمنح امتيازات ضريبية قائمة على المحسوبيات لفئات ومصالح محدّدة، غالبًا ما تتمتّع بنفوذ وعلاقات وثيقة مع أصحاب القرار.


تؤدّي الاعتبارات السياسية والاقتصادية التي تحكم النظام الضريبي إلى تحميل الاستهلاك حصةً متزايدة من العبء الضريبي، مع الحفاظ على الامتيازات التي تتمتّع بها الثروات والمصالح المنظّمة. وأظهر تحليل الدكتور سامي عطا الله أنّ التعديلات المالية التي شهدها لبنان في السنوات الأخيرة حمّلت الفئات ذات الدخل المنخفض والمتوسّط حصةً متزايدة من العبء الضريبي. فالأُسر لا تستطيع بسهولة خفض إنفاقها على الغذاء والنقل والطاقة وغيرها من السلع الأساسية، ما يجعل التعديلات المالية القائمة بصورة رئيسية على الضرائب على الاستهلاك أشدّ وطأةً على الفئات الأقلّ قدرةً على تحمّل خسائر إضافية. وتُرسّخ الإعفاءات الضريبية هذا الطابع التنازلي، إذ يبدو أنّ الكثير منها يعود بفائدة أكبر على الأُسر الأكثر ثراءً ومالكي الأصول، ومنها نحو ۲٣ إعفاءً مرتبطًا بالإرث و۲٠ إعفاءً متعلّقًا بالعقارات المبنية. ومع ذلك، لا يزال أثر هذه الإعفاءات في توزيع العبء الضريبي، والفئات المستفيدة منها، وكلفتها على المالية العامة، والمبرّرات الاجتماعية أو الاقتصادية المعلنة لاعتمادها، غير موثّق بما يكفي، ولا يخضع للتدقيق والمراجعة بالقدر المطلوب.

"تكتسب الإعفاءات الضريبية أهمّيتها عندما ترتبط بأهداف اقتصادية واجتماعية. ولكن في الحالة اللبنانية، هل تُدرَس هذه الإعفاءات فعلًا على أساس أثرها الاجتماعي، أم أنّها مجرّد امتيازات ضريبية تُمنَح وفق اعتبارات سياسية، أو تنفيعات؟ كما تُظهر الدراسة، هي في معظمها تنفيعات". (الدكتور سامي عطا الله، مبادرة سياسات الغد)


أجرى الدكتور سامي عطا الله تحليلًا أوّليًا لـ"نسبة المنافع إلى الضرائب"، التي تقيس قيمة المنافع العامة التي تحصل عليها الأُسر مقابل ما تدفعه من ضرائب. وأظهرت النتائج تدهور وضع الشريحة الأدنى دخلًا، التي تشمل ۵۰% من السكان، بعد الأزمة المالية في العام ۲٠۱۹. فقبل الأزمة، كانت هذه الشريحة تحصل على منافع عامة تُقدَّر قيمتها بـ۲.٦٦ وحدة مقابل كلّ وحدة تدفعها من الضرائب، لكنّ هذه النسبة تراجعت إلى ۱.٤ بعد الأزمة. ورغم أنّ قيمة المنافع بقيت، في المتوسّط، أعلى من الضرائب المدفوعة، فإنّ هذا التراجع يُشير إلى تراجع دور النظام المالي في إعادة توزيع الموارد لصالح الأُسر ذات الدخل المنخفض، بعدما ارتفعت مساهمتها الضريبية مقارنةً بالمنافع التي تحصل عليها. وأثارت هذه الأرقام نقاشًا أوسع بين المشاركين/ات حول الاعتبارات السياسية والاقتصادية التي تحكم النظام الضريبي، ولا سيّما التفاوت في قدرة أصحاب المصالح المنظّمة والمواطنين/ات العاديين/ات على التأثير في القرارات المالية. وفي هذا السياق، شدّد المشاركون/ات على أهمّية إتاحة البيانات والأدلّة للجميع، وإخضاع القرارات المالية للتدقيق العام، وحشد الجهود الجماعية للتصدّي لأوجه التفاوت هذه في توزيع الأعباء والموارد.



٣. لا تقتصر العوائق أمام تحقيق العدالة الضريبية على تطبيق القانون، بل تشمل بنيته نفسها.


أوضح الأستاذ والمحامي رالف النجّار أنّ غياب العدالة الضريبية في لبنان يعود إلى بنية القانون نفسه، وليس إلى ضعف جباية الضرائب فحسب. واعتبر أنّ الفئات التي استفادت أكثر من غيرها من الأزمات والحرب والاختلالات الاقتصادية ينبغي أن تتحمّل حصةً أكبر من الأعباء المشتركة، بما يتناسب مع حجم استفادتها. لكنّ النظام الضريبي الحالي يُولّد نتائج معاكسة تمامًا. ففي لبنان، تُفرض الضريبة على كلّ فئة من فئات الدخل على حدة، بدلًا من احتساب مجموع مداخيل الفرد وإخضاعه للضريبة. وبذلك، قد يدفع شخصان لهما الدخل نفسه ضرائب متفاوتةً إلى حدّ كبير، تبعًا لمصدر دخل كلّ منهما.

"المشكلة في لبنان هي أنّ الضرائب التي أدفعها لا تتحدّد تبعًا لحجم دخلي، بل مصدره". (الأستاذ رالف النجّار، الجمعية اللبنانية لحقوق المكلّفين)

يعكس هذا التفاوت ثغرتَيْن بنيويّتَيْن. تتمثّل الأولى في عدم وجود ضريبة شاملة على الثروة في لبنان، والثانية في افتقار الدولة إلى معلومات دقيقة ومحدّثة يمكن الاستفادة منها لتحديد المالكين/ات المستفيدين/ات الفعليين/ات، أي الأشخاص الذين يسيطرون فعليًا على الأصول المملوكة عبر الشركات، بما فيها الشركات المسجّلة في الخارج. وتتطلّب معالجة الثغرة الأولى إقرار تشريعات على المدى المتوسّط تحدّد الثروات الخاضعة للضريبة، والحدود الدنيا لفرضها، وقواعد تقييمها. أمّا الثانية، فيمكن معالجتها في وقت أقرب من خلال إنشاء سجلّ موثّق للمالكين/ات المستفيدين/ات الفعليين/ات، يكون متاحًا للإدارة الضريبية. ويكتسب هذا الإصلاح أهمّية إضافية في ظلّ استمرار إدراج لبنان على القائمة الرمادية لمجموعة العمل المالي حتى حزيران/يونيو ۲٠۲٦، وما يترتّب على ذلك من ضرورة تحسين الشفافية بشأن المالكين/ات المستفيدين/ات الفعليين/ات. ويُتيح ذلك فرصةً للربط بين الامتثال لمتطلّبات مكافحة غسل الأموال وتحقيق نسبة أكبر من الفعالية والعدالة في فرض الضرائب على الممتلكات والثروات.

٤. لا يضمن تخصيص مبالغ كبيرة للإنفاق الاجتماعي حمايةً كافيةً ومنصفةً في غياب الإصلاحات الجدّية.


شدّدت المناقشات مع الحضور أيضًا على أهمّية أن تكون الإصلاحات موثوقة، إذ أنّ إقرار تشريعات إصلاحية من دون توافر القدرات الإدارية اللازمة لتطبيقها قد يقوّض ما تبقّى من الثقة بالسلطة السياسية. وأكّد المشاركون/ات أنّ هذه المصداقية تقوم على مبدأ المعاملة بالمثل، فثقة المواطنين/ات شرط أساسي للالتزام بدفع الضرائب، وليست نتيجةً ثانوية. وتساءلوا عن جدوى دفع الضرائب في غياب خدمات تعليمية وصحّية فعّالة في المقابل، مشدّدين/ات على أنّ العقد الاجتماعي يقوم على التزامات متبادلة بين الدولة والمواطنين/ات، لم تفِ الدولة اللبنانية بما يترتّب عليها منها. ولا تزال برامج المساعدة الحالية، بما فيها برامج التحويلات النقدية والمخصّصات المالية للأشخاص ذوي الإعاقة، تعتمد إلى حدّ كبير على التمويل الخارجي، ما يثير تساؤلات بشأن كفايتها واستمراريتها ومدى تولّي الدولة مسؤولية إدارتها وتمويلها. للحفاظ على التوازن بين جانبَي العقد الاجتماعي، طالب الحضور بتحصيل المستحقّات المتوجّبة على الأملاك العامة البحرية والكسّارات قبل تحميل المكلّفين/ات الملتزمين/ات بدفع الضرائب أعباءً إضافية. كذلك، عبّروا عن خشيتهم/نَّ من أن يتحمّل القطاع النظامي العبء الأكبر للإصلاحات المقبلة، فيما يبقى القطاع غير النظامي خارج نطاقها.



التوصيات السياساتية

٠۱


إعادة التوازن إلى الهيكل الضريبي من خلال زيادة الاعتماد على الضرائب على الدخل والثروة والأصول التي لا تخضع للضرائب بالقدر الكافي، مع حماية الأُسر ذات الدخل المنخفض من العبء غير المتكافئ للضرائب على الاستهلاك.


ستظل الضرائب على الاستهلاك مصدرًا أساسيًا لإيرادات الدولة على المدى القصير، لكن ينبغي ألّا تُفرض أيّ زيادات عليها من دون اتخاذ تدابير تعويضية لحماية الأُسر ذات الدخل المنخفض. وعلى الحكومة إلغاء الإعفاءات غير المبرّرة من الضريبة على القيمة المضافة التي تستفيد منها السلع والأنشطة الفاخرة، ومراجعة الضرائب على السلع الأساسية، وتحديد أهداف قابلة للقياس وجدول زمني واضح لزيادة حصة الضرائب على الدخل والثروة والممتلكات وغيرها من الأصول التي لا تخضع للضرائب بالقدر الكافي من إجمالي الإيرادات (الأملاك العامة البحرية والكسّارات والعقارات المبنية الشاغرة وغيرها).


۰۲

إعادة تنظيم المنظومة الضريبية بما يحقق التوافق بين الضرائب المفروضة على رأس المال والعمل، وتعزيز الشفافية بشأن هوية المستفيد الفعلي.

يمكن للبنان أن يجعل نظامه الضريبي أكثر تصاعديةً على الفور، من خلال تقليص الفوارق بين الضرائب على الدخل من رأس المال وتلك المفروضة على الأجور، وتوفير معلومات موثّقة عن المالكين/ات المستفيدين/ات الفعليين/ات بما يتيح للإدارة الضريبية الاطّلاع عليها، بما يتماشى مع معايير مجموعة العمل المالي. وبالتوازي، ينبغي إعداد إطار شامل لفرض ضريبة على الثروة، يحدّد بوضوح الحدّ الأدنى للثروة الخاضعة للضريبة وقواعد تقييمها، مع اعتماد نظام يحتسب مجموع المداخيل من العمل والأنشطة التجارية والأصول المالية والممتلكات بدلًا من فرض الضريبة على كلّ مصدر دخل على حدة. ويتطلّب ذلك تعديل قانون ضريبة الدخل والعمل بصورة مستمرّة على إعادة بناء القدرات الإدارية.

۰٣

إرساء آلية مؤسّسية لمراجعة الإعفاءات الضريبية سنويًا.

بدلًا من التعامل مع الإعفاءات الضريبية في لبنان، البالغ عددها نحو ۱۷۰ إعفاءً، على أنّها ثابتة، ينبغي مراجعة كلّ منها سنويًا ونشر نتائج المراجعة، لتحديد الجهات المستفيدة، وحجم الإيرادات التي تخسرها الدولة بسببها، ومدى تحقيقها أهدافًا اجتماعية ملموسة. ومن شأن ذلك أن يقرّب لبنان من الامتثال لمدوّنة شفافية المالية العامة الصادرة عن صندوق النقد الدولي (الركيزة الثانية: التنبّؤات المالية وإعداد الموازنة)، التي تُلزم الحكومات بنشر بيان مع الموازنة السنوية يوضّح طبيعة النفقات الضريبية وأثرها على المالية العامة.

۰٤

بناء الثقة من خلال تقديم خدمات ملموسة تقوم على الالتزامات المتبادلة، وتحصيل المستحقّات القائمة قبل فرض التزامات جديدة.

يقوم الالتزام بدفع الضرائب على مبدأ المعاملة بالمثل، إذ يزداد استعداد المواطنين/ات لدفعها عندما يلمسون تحسّنًا فعليًا في الخدمات العامة. لكن، لا يمكن للدولة أن تنتظر منهم/ن ذلك قبل أن تتحرّك، بل عليها أن تبادر إلى تحسين الخدمات بشكل ملموس، لتتمكّن من مطالبتهم/هنَّ بمزيد من الالتزام. كذلك، تقتضي المصداقية تحصيل المستحقّات القانونية القائمة، بما فيها المستحقّات المتوجّبة على إشغال الأملاك العامة البحرية والكسّارات وغيرها، قبل تحميل المكلّفين/ات الذين يسهل تحصيل الضرائب منهم/هنَّ أعباءً إضافية. ولن يثق المواطنون/ات بأنّ الإيرادات الجديدة ستُستخدَم لخدمة المصلحة العامة، لا لمصلحة قلّة من أصحاب الامتيازات، ما لم يلمسوا أنّ الالتزامات تُطبَّق على الجميع بإنصاف.

٠۵

الجمع بين الضرائب التصاعدية وإعادة توزيع الإنفاق الاجتماعي لتمويل وبناء نظام حماية اجتماعية شاملة خلال جميع مراحل الحياة.

ينبغي تخصيص حصّة متزايدة من الإيرادات الجديدة المتأتّية من الضرائب التصاعدية لتمويل تقديمات شاملة قائمة على الحقوق، بدءًا بإعانة الأطفال والمخصّصات المالية للأشخاص ذوي الإعاقة، حتى تُسهم العدالة الضريبية في توفير حماية اجتماعية أفضل. في الوقت نفسه، ينبغي على الحكومة مراجعة تكوين مخصصات الإنفاق الاجتماعي الحالية، وإعادة تخصيص حصّة أكبر تدريجياً نحو تقديمات تصل إلى الأسر خارج القطاع العام الرسمي. وينبغي أيضًا مواءمة هذه التدابير مع الاستراتيجية الوطنية للحماية الاجتماعية، والالتزام بالاستعاضة تدريجيًا عن التمويل الخارجي بتمويل محلّي مستدام.

٠٦

تعزيز قدرات الإدارة الضريبية وتوسيع نطاق الشمول الضريبي، مع تشجيع الانتقال إلى القطاع النظامي من خلال توفير منافع ملموسة.

ينبغي لوزارة المالية الحفاظ على الكفاءات والخبرات في الإدارة الضريبية، وإعادة بناء قدراتها البشرية، ورقمنة إجراءات التصريح الضريبي ودفع الضرائب. وينبغي أيضًا التوسّع تدريجيًا في اعتماد الفوترة الإلكترونية وتقديم حوافز للدفع الإلكتروني، للمساعدة على الكشف عن المداخيل غير المصرّح عنها في الاقتصاد النقدي. وعلى الحكومة وضع نظام ضريبي مبسّط للمنشآت الصغيرة، يستند إلى تقدير الدخل، مع ضمان حماية مصادر رزق ذوي الدخل المنخفض، والتنسيق مع مؤسّسات الحماية الاجتماعية لتشجيع الانتقال إلى القطاع النظامي من خلال توفير منافع ملموسة. وينبغي أن تركّز هذه الجهود على تحصيل الضرائب من المداخيل التي لا تُجبى منها حاليًا، قبل تحميل المكلّفين/ات الملتزمين/ات أصلًا أعباءً إضافية.


الخلاصة

لا يزال العقد الاجتماعي في لبنان غير متوازن على جانبَي الإيرادات والإنفاق. فالنظام الضريبي يعتمد على الضرائب على الاستهلاك أكثر من الضرائب على الثروة، فيما تبقى الحماية الاجتماعية محدودة الأثر رغم وجودها من حيث المبدأ، ولا تصل إلّا إلى نسبة ضئيلة من الأطفال والأشخاص ذوي الإعاقة والنساء والعاملين/ات في القطاع غير النظامي. وتتطلّب معالجة هذا الاختلال زيادة الاعتماد على الضرائب على الدخل والثروة، وضمان الشفافية في الإعفاءات الضريبية من خلال آليّة مؤسّسية، والحفاظ على الإنفاق الاجتماعي وزيادته.


إنَّ ضمان حصول الفئات الأكثر تأثّرًا بالأزمات في لبنان على الحماية الاجتماعية التي يحقّ لها التمتّع بها يتطلّب إعادة توجيه الإنفاق العام نحو الفئات التي يتجاهلها النظام الحالي، إذ لا يكفي جعل النظام الضريبي أكثر تصاعديةً لتحقيق ذلك. ومع انتقال لبنان من الاستجابة للطوارئ إلى مرحلة التعافي وإعادة الإعمار بعد الحرب، ينبغي ألّا يُقاس نجاح الإصلاح المالي بحجم الإيرادات التي يحقّقها فحسب، بل أيضًا بمدى إسهامه في تحسين حياة السكّان وضمان تمتّعهم بحقوقهم، ولا سيّما الأطفال. يمكن لنظام مالي أكثر تصاعديةً وإنصافًا أن يُسهم في إرساء أُسس تعافٍ يشمل الجميع، من خلال ضمان وصول الاستثمارات في الحماية الاجتماعية على امتداد مراحل الحياة، من الطفولة إلى الشيخوخة، وفي التعليم والصحّة، إلى الفئات الأكثر تأثّرًا بالأزمات المتعدّدة. 

 

 

 

الترجمة والتحرير: The Language Platform

التصميم: فاليري نصير

 

 

نُشرت هذه الورقة السياساتية بالشراكة مع اليونيسف في لبنان، وبدعم مالي من الاتّحاد الأوروبي.

إنَّ الآراء الواردة في هذا المنشور تُعبِّر عن رأي فريق الإعداد حصرًا، ولا تعكس بالضرورة آراء الاتّحاد الأوروبي أو أيّ من الشركاء الآخرين.


مركز العلوم الاجتماعية للأبحاث التطبيقية © بيروت، تشرين الأوّل/أكتوبر ۲۰۲٦.

جميع الحقوق محفوظة. لا يجوز إعادة إنتاج أيّ جزء من هذا المنشور أو توزيعه أو نقله بأيّ شكل أو بأيّ وسيلة، بما في ذلك النسخ والتسجيل أو غيرها من الوسائل الإلكترونية أو الميكانيكية، من دون الحصول على إذن خطّي مسبق من الناشر، باستثناء الاقتباسات الموجزة والإشارة في المراجعات والمقالات النقدية، وبعض الاستخدامات غير التجارية الأخرى المسموح بها بموجب قانون حقوق النشر.


APA
Action, T. (2026). اختلال في العقد الاجتماعي: الضرائب والإنفاق الاجتماعي والأُسُس المالية للتعافي الشامل في لبنان. بيروت: مركز العلوم الاجتماعية للأبحاث التطبيقية.
MLA
Action, The. اختلال في العقد الاجتماعي: الضرائب والإنفاق الاجتماعي والأُسُس المالية للتعافي الشامل في لبنان. مركز العلوم الاجتماعية للأبحاث التطبيقية,2026.
Harvard
Action, T 2026, اختلال في العقد الاجتماعي: الضرائب والإنفاق الاجتماعي والأُسُس المالية للتعافي الشامل في لبنان. ,مركز العلوم الاجتماعية للأبحاث التطبيقية, بيروت.
Chicago
Action, The. اختلال في العقد الاجتماعي: الضرائب والإنفاق الاجتماعي والأُسُس المالية للتعافي الشامل في لبنان. بيروت: مركز العلوم الاجتماعية للأبحاث التطبيقية, 2026
مماثل
فبراير.2026
This article lays out three critical examples that capture...
يوليو.2026
تستند هذه المذكرة السياساتية إلى حلقة نقاش نُظِّمت في ۲٠...